السيد الطباطبائي
292
الإنسان والعقيدة
تلك الألفاظ وتجعل قوالب لها . ومن جهة ثانية تعرفه عواطفه الباطنة الداعية له إلى اتّباع الهوى فتصرفه عن الحقّ ، الذي هو بغيته ومنيته ، وتحوّل نظره عن هدفه الأسمى هذا إلى أغراض تافهة أخرى ، تقرّبها منه ، وتزيّنها له . . ولهذا . . فإنّ من الطبيعي أن لا يصل إلى المعارف الحقيقيّة إلّا أفراد قلائل قد تجرّدوا من جلباب المادة والطبيعة ، وأفلتوا من شراك الهوى ، وتخلّوا عن زبارج وبهارج هذا العرض الأدنى . . وإن شئت فقل : لا يصل إليها إلّا من تبرّأ من سيّئات الأعمال ، وتنزّه عن رذائل الملكات والأحوال ، ونذر نفسه ووجوده للّه ، لا همّ له إلّا الحقّ الصريح ، ولا ينشد إلّا الواقع الأصيل والصحيح . هذا . . وإنّ ثمّة مثالا حيّا تمثّلت به الفلسفة الإلهية - التي نعنيها بالكلام المتقدّم - . هذا المثال هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، الذي هو المثال الحقيقي البارز للفلسفة الإلهيّة ، والذي لا يخطئ المتمثّل به ، ولا يضلّ . . ومن أجل إدراك هذه الحقيقة فما على الباحث إلّا أن يجيل نظره فيما يذكره التاريخ الصحيح ممّا يتعلّق بحياته الحافلة بالفضل والفخار ، وأيضا الزاخرة بالمحن والبلاء ، في جنب اللّه عزّ اسمه ، ثمّ يقيس - لو جاز القياس - المأثور من كلامه عليه السّلام في المعارف الإلهيّة ، بالمأثور من كلام غيره من صحابة النبيّ صلّى اللّه عليه واله ، وغيرهم من علماء التابعين ، ومن دونهم . . ثمّ يتعمّق في البحث ، في غرر كلامه في الفلسفة الإلهيّة ، فإنّه سوف يجد دون أدنى شكّ وشبهة صدق ما ذكرنا ، وحقيقة ما إليه أشرنا . فقد ولد عليه السّلام قبل البعثة ، وكان أبوه شيخ بني هاشم ، أبو طالب ، بن عبد المطّلب ابن هاشم ، وأمّة : فاطمة بنت أسد . . ثمّ تربّى في حجر النبوّة ، ولم يزل على ذلك حتّى بعث النبيّ صلّى اللّه عليه واله ؛ فكان أوّل من آمن به ، ولم يبلغ الحلم ، وقبل النبيّ ذلك منه أحسن القبول ، وكان صلّى اللّه عليه واله قد شرط لأوّل من آمن به الخلافة والوصاية في ملأ من